محمد بن جرير الطبري
60
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا عبيد عن الضحاك : وَحِينَ الْبَأْسِ القتال . حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان ، قال : سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله : وَحِينَ الْبَأْسِ قال : القتال . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا من آمن بالله واليوم الآخر ، ونعتهم النعت الذي نعتهم به في هذه الآية ، يقول : فمن فعل هذه الأَشياء فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم وحققوا قولهم بأفعالهم ، لا من ولى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره وينقض عهده وميثاقه ويكتم الناس بيان ما أمره الله ببيانه ويكذب رسله . وأما قوله : وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ فإنه يعني : وأولئك الذين اتقوا عقاب الله فتجنبوا عصيانه وحذروا وعده فلم يتعدوا حدوده وخافوه ، فقاموا بأداء فرائضه . وبمثل الذي قلنا في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا كان الربيع بن أنس يقول . حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا قال : فتكلموا بكلام الإِيمان ، فكانت حقيقته العمل صدقوا الله . قال : وكان الحسن يقول : هذا كلام الإِيمان وحقيقته العمل ، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شيء . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى يعني تعالى ذكره بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى فرض عليكم . فإن قال قائل : أفرض على ولي القتيل القصاص من قاتل وليه ؟ قيل : لا ؛ ولكنه مباح له ذلك ، والعفو ، وأخذ الدية . فإن قال قائل : وكيف قال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ قيل : إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه ، وإنما معناه : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ، الحر بالحر والعبد بالعبد ، والأنثى بالأنثى . أي أن الحر إذا قتل الحر ، فدم القاتل كفء لدم القتيل ، والقصاص منه دون غيره من الناس ، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله . والفرض الذي فرض الله علينا في القصاص هو ما وصفت من ترك المجاوزة بالقصاص قتل القاتل بقتيله إلى غيره لا أنه وجب علينا القصاص فرضا وجوب فرض الصلاة والصيام حتى لا يكون لنا تركه ، ولو كان ذلك فرضا لا يجوز لنا تركه لم يكن لقوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ معنى مفهوم ، لأَنه لا عفو بعد القصاص فيقال : فمن عفي له من أخيه شيء . وقد قيل : إن معنى القصاص في هذه الآية مقاصة ديات بعض القتلى بديات بعض ؛ وذلك أن الآية عندهم نزلت في حزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بعضهم بعضا ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم ، بأن تسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين ، وديات رجالهم بديات رجالهم ، وديات عبيدهم بديات عبيدهم قصاصا فذلك عندهم معنى القصاص في هذه الآية . فإن قال قائل : فإنه تعالى ذكره قال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر ، ولا للأَنثى إلا من الأنثى ؟ قيل : بل لنا أن نقتص للحر من العبد وللأَنثى من الذكر ، بقول الله تعالى ذكره : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً وبالنقل المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " المسلمون تتكافأ دماؤهم " . فإن قال : فإذ كان ذلك ، فما وجه تأويل هذه الآية ؟ قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنه عبد حتى يقتلوا به سيده ، وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة ، حتى يقتلوا رجلا من رهط المرأة وعشيرتها ، فأنزل الله هذه الآية ، فأعلمهم أن الذي فرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره ، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال ، وبالعبد العبد القاتل دون غيره من الأَحرار ، فنهاهم أن يتعدوا القاتل إلى غيره في القصاص . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا أبو الوليد ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قالا : ثنا حماد ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي في قوله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى قال : نزلت قي قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمية ، فقالوا : نقتل بعبدنا فلان ابن فلان ، وبفلانة فلان ابن فلان فأنزل الله : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى حدثنا بشر ، قال : ثنا